حسن الأمين
47
مستدركات أعيان الشيعة
مصادر الشكوك أما الشك بوجوده ، فقد بدأ الحديث عنه منذ أوائل القرن الرابع الهجري ، وكان ابن النديم صاحب كتاب « الفهرست » الذي عاش في أواسط ذلك القرن ، هو أول من تحدث عن هذا الشك في كتابه المذكور ، قائلا : « . . وقال جماعة من أهل العلم وأكابر الوراقين ان هذا الرجل - أي جابر بن حيان - لا أصل له ولا حقيقة . وبعضهم قال إنه ما صنف ، إن كان له حقيقة ، إلا » كتاب الرحمة « ، وإن هذه المصنفات صنفها الناس ونحلوها إياه » . وفي العصور الأخيرة تحدث عن هذا الشك أيضا « بول كراوس » الذي جهد في جمع بعض مخطوطات جابر من مختلف المكتبات في أوروبا ونشرها في كتاب بعنوان « مختار رسائل جابر بن حيان » وألف مجلدين عنه وعن مؤلفاته ومذهبه . ولكن « كراوس » يرى أن هذه المؤلفات التي تنسب إلى جابر ، إنما كتبت في عصر متأخر عن الزمن الذي تقول الروايات ان جابر عاش فيه ، ويرى انها كتبت في نحو عام 860 الميلادي أو في نهاية القرن التاسع هذا ، وان مؤلف رسائل جابر ينبغي ان يكون قد عاش قبل عام 987 م ، أي قبيل تأليف الفهرست لابن النديم ، وقبل « ابن وحشية » صاحب كتاب « الزراعة النبطية » المؤلف عام 950 م ، وذلك لأن ابن النديم وابن وحشية قد ترجما لجابر وتحدثا عنه في كتابيهما هذين ، ويرى « كراوس » أخيرا أن المؤلفات المنسوبة إلى جابر هي من وضع القرامطة الإسماعيليين . أدلة الشك يعتمد « كراوس » في شكه ذاك ، على القرائن الآتية : أولا : انه إذا صحت نسبة الرسائل إلى جابر ، فيلزم ان نغير نظرنا إلى تاريخ الإسلام ، لأن ذلك يعني ان جابرا كان أول من نقل علوم الأوائل إلى العرب ، وانه وجدت في ذلك الزمن شخصية كشخصية جابر أصلية ممتازة ذات استقلال عجيب وعلم غزير مع معرفة فذة للأدب اليوناني ، وانه إذا كانت هذه الرسائل غير منتحلة فيلزم أن يكون جابر هو الذي خلق اللغة العلمية وذللها قبل المترجمين الذين عاشوا في القرن الثالث الهجري والتاسع الميلادي ، وأن رسائله هذه تمثل نموذجا من العلماء الذين لا نظير لهم في الحقب الأولى الإسلامية ، فهو يعالج مسائل العلوم الطبيعية بأسلوب يكاد لا ينتظر في القرن الثاني للهجرة والثامن للميلاد وحسب ، بل إن معلوماته في الطبيعة ترتكز على أسلوب فلسفي قائم بذاته ، ومتين أيضا ، فضلا عن اننا نجد في تلك الرسائل عدا النزعة الشيعية الخاصة تعاليم معتزلية ، مع أن مذهب الاعتزال لم يكن قد بلغ أشده ، بعد ، في ذلك القرن . ثانيا : إن صلة جابر بن حيان بالإمام جعفر الصادق ، تقضي بالقول ان التعابير العلمية في المؤلفات المنسوبة إلى جابر لا صلة لها بالإمام الصادق ولا بأحد من معاصريه ، ولا سيما ما جاء فيها عن تشريح العين ، فان حنين بن إسحاق قد أورد سبع طبقات للعين تشبه أسماؤها ما ذكره جابر بهذا الصدد ، وليس من المعقول - كما يقول كراوس - أن يكون حنين قد أخذ ذلك عن جابر ، بل العكس هو المعقول . ثالثا : إن رسائل جابر ذات طابع إسماعيلي ، وذلك يؤكد ان هناك علاقة شديدة بين جابر والإسماعيلية ، وبين الإسماعيلية ورسائل جابر ، ثم يذكر « كراوس » أمثلة للتشابه بين تعابير جابر وتعابير الإسماعيلية في فكرة العدد وخاصة « السبعة » ، وفي النظريات الكيميائية ، وفي بعض التفسيرات الدينية لعلاقة الأشياء بعضها مع بعض علاقة كيميائية حتى في الجزئيات الصغيرة . نقد الشكوك يبدو ، جليا ، إن هذه القرائن التي استند إليها « كراوس » في شكه ، إنما تدور على قضية الشك بصحة نسبة مؤلفات جابر إليه ، ولا تشير مطلقا إلى قضية الشك بوجوده . ولذلك يمكن القول إن الشك في أصل وجود جابر أو تأكيد عدم وجوده ، أمر لم يذكر زاعموه دليلا عليه ، لا مقنعا ولا غير مقنع . ولكن نزيد عن هذا النقض السلبي نقضا إيجابيا نقيم به الأدلة على وجوده أولا ، وعلى كون المؤلفات المنسوبة إليه هي من تاليفه بالفعل ، ثانيا : 1 - إن ابن النديم في « الفهرست » ، وهو الذي كان أول من نقل القول بعدم وجوده ، قد تصدى للرد على من ينفي وجوده ، وأكد إن جابر بن حيان حقيقة لا شك فيها ، وانه هو بالذات مؤلف تلك الرسائل الجليلة الشأن . وهذا ما قاله ابن النديم بنصه : « . . وأنا أقول : إن رجلا فاضلا يجلس ويتعب ، فيصنف كتابا يحتوي على ألفي ورقة ، يتعب قريحته وفكره بإخراجه ، ويتعب يده وجسمه بنسخة ، ثم ينحله لغيره ، اما موجودا أو معدوما ، ضرب من الجهل ، وإن ذلك لا يستمر على أحد ، ولا يدخل تحته من تحلى ساعة واحدة بالعلم . وأي فائدة في هذا أو أي عائدة ؟ . والرجل له حقيقة ، وأمره أظهر وأشهر ، وتصانيفه أعظم وأكثر » . 2 - إن الحسين بن بسطام بن سابور الزيات وأخاه أبا عتاب عبد الله بن بسطام بن سابور - وهما من علماء الشيعة القدامى - قد وضعا كتابا في الطب اسمياه « طب الأئمة » ورويا فيه عن جابر بن حيان عن الإمام جعفر الصادق . 3 - إن الرازي - كما في الفهرست ( ص 500 ) - يقول في كتبه المؤلفة في الصنعة ( الكيمياء ) : قال استأذنا أبو موسى ( أي جابر بن حيان ) . وقد نقل أبو بكر الرازي كتاب « الأنثيين » لجابر إلى الشعر . 4 - إن بعض كتب جابر بن حيان قد شرحها جماعة ممن عاشوا بعده بقليل ، دون أن يظهر منهم الشك بأمر نسبتها إليه أو بحقيقته هو نفسه ، بل شرحوها على أن قضية وجوده وقضية كونه مؤلف هذه الكتب من الأمور المفروغ منها . ونذكر من هؤلاء الشراح : أبا جعفر ( محمد بن علي الشلمغاني ) المعروف بابن العزاقر المتوفى عام 322 ه ، وقد شرح كتاب « الرحمة » لجابر . . وأبا قران من أهل نصيبين . شرح أيضا كتاب « الرحمة » . 5 - ورد ذكر جابر على لسان أبي حيان التوحيدي عند الكلام عن مسكويه . إذ قال : « . . ولكنه - أي مسكويه - كان مشغولا بطلب الكيمياء مع أبي الطيب الكيميائي الرازي ، منهوك الهمة في طلبه والحرص على إصابته ، مفتونا بكتب أبي زكريا الرازي وجابر بن حيان » . 6 - إن المجريطي المتوفى عام 395 هيصف في كتابه « غاية الحكيم » بقوله : « إن ( الجامع ) كتاب جابر يحتوي على ألف باب ونيف ، ذكر فيه من الأعمال العجيبة ما لم يسبقه إليه أحد » . 7 - إن « كراوس » بنى شكه في صحة نسبة الرسائل العلمية إلى جابر بن حيان ، على مجرد اعتقاده بان النسق العلمي المنهجي الذي تتسم به مؤلفات جابر غريب عن ذهنية العصر الذي عاش فيه ، وأن القول بصحة نسبة هذه المؤلفات إليه ، يستلزم تغيير نظره - أي كراوس - إلى « تاريخ